Search
Close this search box.

الابتكار العسكري وتنمية القدرات في سياق متعدد الأطراف: تكاليف التعاون متعدد الأطراف وفوائده

د. بنس نيميث (Dr. Bence Nemeth)- أستاذ مساعد - قسم دراسات الدفاع - كلية كينجز كوليدج لندن - المملكة المتحدة

Abstract

إن تطوير الإمكانات العسكرية عملية معقدة للغاية، وتزداد الأمور تعقيدًا عندما يكون تطوير الإمكانات في ظل وجود جنسيات متعددة. لقد ابتكرت وطورت الجيوش حول العالم نماذج عدة لإدارة هذه التعقيدات وللتعامل معها. يقدم كل نموذج حلولًا مختلفة كما أن لكل نموذج تكاليفه وفوائده الخاصة به، لذلك فإن الأمر يتطلب المفاضلة بينها. إن المفاضلة الأكثر ملاءمة هي مقارنة تكاليف التنسيق والتكاليف السياسية من ناحية والفوائد الاقتصادية والعسكرية من ناحية أخرى. تناقش الورقة البحثية نماذج تطوير القدرة التي ابتكرتها الجيوش، وذلك في ظل تعدد الجنسيات وتكاليف وفوائد هذه النماذج وكيف يمكن للجيوش التعامل مع هذه التكاليف.

The Author

د. بنس نيميث (Dr. Bence Nemeth) يعمل أستاذًا مساعدًا في قسم دراسات الدفاع في كلية كينجز كوليدج لندن. عمل كمدرس للضباط العسكريين بأكاديمية الدفاع في المملكة المتحدة، ويعمل حاليًا مدير البرنامج الأكاديمي للدورة التدريبية المتقدمة لأركان القيادة (ACSC). قبل الانتقال إلى كلية كينجز كوليدج لندن، عمل بنس في مناصب مختلفة في مجال السياسة الدفاعية والتخطيط في وزارة الدفاع المجرية لمدة ثماني سنوات. لديه كتاب بعنوان “كيفية تحقيق التعاون الدفاعي في أوروبا؟ – النهج ما تحت المستوى الإقليمي”، وقد نشرته مطبعة جامعة بريستول عام 2022.

خلفية الاستراتيجية

لا تقتصر تنمية القدرات على شراء منظومات الأسلحة فحسب، بل تضمن أيضاً امتلاك هيئات الدفاع كافة الوسائل لإنجاز مهام أو إحداث تأثيرات ضمن مجموعة محددة من معايير الأداء والظروف البيئية (Taliaferro et al, 2019: 5). ووفقاً لذلك، اضافة إلى شراء المعدات، فإنه يجب تعيين موظفين للقيام بالمهام وتدريبهم عليها، ويجب إنشاء منظمات لتوفير إطار عمل يحكم المعدات والأشخاص، ويجب إنشاء دعم لوجستي وبنية تحتية مناسبة، ويجب ضمان وجود عمل مشترك مع الحلفاء، ويجب تطوير الإطار المفاهيمي والعقائدي لتوفير التوجيه. ومن هنا يمكن القول إن تنمية القدرة العسكرية مهمة معقدة للغاية، وغالباً ما ينطوي عليها إشراك مئات أو حتى آلاف الموظفين من مختلف الخلفيات وتوفير عناصر مؤسسية.

الشكل 3.1: خطوط تطوير الدفاع (UK MOD, 2007)

هناك ضغط متزايد على الجيوش للتعاون مع حلفاء وشركاء لتحقيق قدرات تقنية عالية لافتقارها في كثير من الأحيان إلى الموارد المالية المناسبة أو بعض الخبرة التي قد تكون ضرورية لها لتحقيق تلك القدرات التقنية العالية. هذا الضغط ليس ظاهرة جديدة لأن مايكل ألكسندر (Michael Alexander) وتيموثي غاردن (Timothy Garden) قد أشارا بالفعل منذ عقدين إلى أن “حساب سياسة الدفاع” يدفع الجيوش نحو زيادة تطوير القدرات متعددة الأطراف. يشير علم الحساب أو الحسابيات هذا إلى أن التكاليف العسكرية للجيوش تنمو بشكل يفوق ميزانياتها. على سبيل المثال، ارتفعت تكاليف الموظفين وتكاليف التشغيل الجارية للجيوش بشكل أسرع بكثير من التضخم العادي، ومع كل جيل جديد من نظم الأسلحة تظهر معه تكاليف حادة في النفقات. ولهذه الأسباب غالباً ما تختار الجيوش مشاريع متعددة الأطراف على أمل أن يساعد التعاون في التغلب على هذه الصعوبات.

 

ومع ذلك، فإن إدارة أوجه القصور المالية والعسكرية من خلال التعاون متعدد الأطراف يزيد من تعقيد المشروع بشكل غير متناسب. وللتغلب على هذا التعقيد، فإنه يجب على الهيئات الدفاعية من مختلف البلدان والثقافات والأهداف والهياكل والعمليات التنظيمية العمل معاً في مشاريع متعدد الأطراف. ومن الواضح أن القادة العسكريين والسياسيين لو اعتمدوا على برامج الدفاع الوطني بالكامل، فإنهم لن يتعرضوا لأي مشاكل ناجمة عن هذا التعقيد. فمثلاً يزيد التعقيد من التكاليف التنسيقية، وبالتالي، يجب على الأطراف متعددي الجنسيات استثمار المزيد من الوقت والجهد لتنسيق مساعيهم مقارنة بمشاريع تنمية القدرات الوطنية. غالباً ما يؤدي هذا إلى تجاوز التكاليف والتأخيرات (Hartley, 2019: 244-250) وعلاوة على ذلك، هناك تكاليف سياسية تنجم غالباً عن التبعية المتزايدة. على سبيل المثال، عندما تتباين المصالح الوطنية أو التنظيمية بشكل كبير، قد تطبق دولة واحدة أو أكثر محاذيراً وقيوداً، أو حتى تتخلى عن المشروع بأكمله، مما يجعل المشروع متعدد الأطراف غير قابل للتطبيق. وعلى الرغم من هذه الصعوبات، فقد أقدمت الجيوش على الابتكار لإنجاح مشاريع تنمية القدرات متعددة الأطراف، ولكن الأساليب المختلفة تمثل تكاليف وحزم مزايا مختلفة على صانعي القرار وضعها في الاعتبار.

الابتكار في تنمية القدرات متعدد الأطراف

كما يشير جان فاجربيرج (Jan Fagerberg)، فإن هناك فرق كبير بين الاختراع والابتكار. إن الاختراع هو أول ظهور لفكرة منتج أو عملية جديدة، أما الابتكار هو أول تسويق للفكرة” (Fagerberg, 2018: 6) وبناءً على ذلك، فإن الابتكار يعني، في كثير من الأحيان، أن تقوم منظمة ما بتطبيق فكرة موجودة بالفعل لمشكلة أو عملية أو منتج، أو ما شابه، والتي لم يتم تطبيقها مطلقاً في مثل هذه الوضعية المحددة من قبل. قد يبدو الأمر سهلاً نسبياً، ولكن الابتكار شيء صعب، وقد تكافح المنظمات العسكرية بشكل خاص لتنفيذ أفكار جديدة. لقد سلّط مجلس الابتكار الدفاعي الأمريكي في عام 2018، بقيادة الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، إريك شميدت (Eric Schmidt)، الضوء على أن البنتاغون لا يعاني من مشكلة في الابتكار، ولكنه يعاني من مشكلة تبني الابتكار (Tucker, 2018). إن الجيوش حذرة من الأفكار الجديدة، حيث يتعين عليها التعامل مع أوجه عدم اليقين الهائلة في ساحة المعركة وفي البيئة الاستراتيجية. وبالتالي، تفضل الجيوش الاستقرار وخلق اليقين من حالات عدم اليقين من خلال الهياكل الهرمية الصارمة وإجراءات التشغيل الموحدة. تنتج هذه الخصائص العسكرية الاستقرار والقوة، مما يساعد على التخفيف من عدم اليقين، ولكن يمكنها أن تكون مصادر لمقاومة التغيير والابتكار (Hasselbladh and Ydén, 2019) وهذا لا يعني أن الجيوش لا يمكن أن تتغير وتتحسن (Roberts, 2020)، لكن التغييرات والابتكارات المهمة تحدث في الغالب بشكل تدريجي (Uttley et al, 2019)، وتحدث تغييرات سريعة في ظروف استثنائية (Nemeth and Dew, 2020).

إن الجيوش حذرة من الأفكار الجديدة، حيث يتعين عليها التعامل مع أوجه عدم اليقين الهائلة في ساحة المعركة وفي البيئة الاستراتيجية. وبالتالي، تفضل الجيوش الاستقرار وخلق اليقين من حالات عدم اليقين من خلال الهياكل الهرمية الصارمة وإجراءات التشغيل الموحدة.

 – د. بنس نيميث

وينطبق الشيء نفسه على الابتكارات في مجال تنمية القدرات متعددة الأطراف. على سبيل المثال، وُلدت فكرة إنشاء قيادة نقل جوي أوروبية متعددة الأطراف (EATC) في نهاية التسعينيات (European Union, 1999)، ولكن تم إنشاء قيادة النقل الجوي الأوروبية في عام 2010 فقط، وهناك حاجة إلى خمس سنوات أخرى لإنشاء قيادة أخرى بنفس الشكل والقدرات الحالية. لا تمتلك قيادة النقل الجوي الأوروبية طائرات خاصة بها، فالطائرات التي تخضع لقيادتها تعتمد على قواعد جوية وطنية يتم تشغيلها من قبل القوات الجوية الوطنية، لكنها تنسق قدرات النقل الجوي الوطني وقدرات التزود بالوقود مع سبع دول أوروبية، ولديها سيطرة تشغيلية على أسطول مشترك يضم 150 طائرة مشتركة بين الدول المشاركة بهدف تعزيز الفعالية والكفاءة (EATC, 2022).

وغالباً ما يرتبط الابتكار بالتقنيات الجديدة، ولكن كما توضح حالة قيادة النقل الجوي الأوروبية، فإن هذا ليس مرتبط بالضرورية بالتقنيات. قامت قيادة النقل الجوي الأوروبية فقط بتجميع القدرات الوطنية الحالية لتوليد وفورات الحجم والكفاءة عالية في إطار متعدد الأطراف. كان الابتكار الذي تم تنفيذه هنا هو تطبيق وتعديل الحلول الوطنية الحالية للتخطيط، وتحديد المهام، والسيطرة على الأصول الجوية في هيكل متعدد الأطراف. تُظهر أدبيات الابتكار أنه، بصرف النظر عن الابتكار التكنولوجي، قد تنفذ المنظمات الدفاعية الابتكار على مستوى التنظيم أو اللوجستيات أو العمليات أو نماذج العمل (Kahn, 2018). وتماشياً مع ذلك، فإن أكثر الابتكارات ذات الصلة في تطوير القدرة العسكرية متعددة الأطراف ليست في الغالب ابتكارات تكنولوجية، بل إنها تتعلق بالعملية والابتكار التنظيمي. يحاول هذا الابتكار إدارة التعقيدات الشديدة ومعالجة الحاجة إلى تنسيق واسع النطاق من الخصائص المتأصلة في البرامج العسكرية متعددة الأطراف.

وغالباً ما يرتبط الابتكار بالتقنيات الجديدة، ولكن كما توضح حالة قيادة النقل الجوي الأوروبية، فإن هذا ليس مرتبط بالضرورية بالتقنيات. قامت قيادة النقل الجوي الأوروبية فقط بتجميع القدرات الوطنية الحالية لتوليد وفورات الحجم والكفاءة عالية في إطار متعدد الأطراف.

– د. بنس نيميث

ومن الممكن التمييز بين أربعة أنواع من نماذج تطوير القدرات متعددة الأطراف: تجميع القدرات، ومشاركة القدرات، ومشاركة الأدوار والمهام، والتجميع من خلال الاستحواذ (Csiki and Nemeth, 2012). في حالة تجميع القدرات، يتم دمج القدرات المملوكة وطنياً في هيكل متعدد الأطراف مثل المثال المذكور في قيادة النقل الجوي الأوروبية. تحدث مشاركة القدرات عندما تتيح الجيوش بعض قدراتها في بيئة متعددة الأطراف، لكن الدول تحتفظ بالسيطرة على قدراتها أثناء التعاون ولا يتم دمج القوات في هيكل متعدد الأطراف. وعادةً ما تشمل هذه الأنواع من المشاريع متعددة الأطراف التعاون في التدريب والتعليم، وتحسين قابلية التعاون المشترك بين الجيوش، ومشاريع الصيانة متعددة الأطراف، وتطوير المفاهيم والعقائد. يتم تقاسم الأدوار والمهام عندما لا تمتلك الدول قدرات معينة، ولكنها تقدم الدعم لبعضها البعض لسد فجوات القدرات في إطار برامج تعاونية متعددة الأطراف. ففي أوروبا، على سبيل المثال، يتم تنفيذ مهام الشرطة الجوية، من قبل الحلفاء، على دول البلطيق وسلوفينيا وأيسلندا؛ لأن هذه الدول الصغيرة لا تستطيع شراء القدرات لمثل هذه المهام بشكل مستقل والحفاظ عليها. وفي المقابل، طورت هذه الدول قدرات تشغيلية متخصصة تعود بالنفع على حلفائها في مناطق أخرى (Christiansson, 2013). تقوم القوات الجوية الملكية البريطانية أيضاً بمهام مراقبة جوية في منطقة معلومات الطيران الأيرلندية لحماية أيرلندا والمملكة المتحدة (Allison, 2022).

يتكون التجميع من خلال الاستحواذ من فئتين فرعيتين: الاستحواذ المشترك والتنمية المشتركة. يحدث الاستحواذ المشترك عندما تقرر عدة قوات مسلحة شراء وصيانة وتشغيل قدرة ما معاً. وعندما لا يكون لديها سيطرة وطنية على هذه القدرة، يقومون باستخدامها من خلال مجموعة مختلفة من الترتيبات. على سبيل المثال، يعمل ستة عشر عضواً في الناتو معاً على تشغيل أسطول مكون من أربعة عشر طائرة من طائرات الإنذار المبكر والتحكم من نوع بوينغ “إي -3أيه” (E -3A) الخاصة بسلاح الجو الألماني، والذي يقع مقره في جيلينكيرشين بألمانيا. تزود هذه الطائرات حلف الناتو بالمراقبة الجوية، والقيادة والسيطرة، وإدارة ساحة المعركة، وقدرات اتصال (NATO, 2022a). وفي إطار القدرة الجوية الاستراتيجية (SAC)، قامت اثنتا عشرة دولة من دول الناتو بشراء وصيانة أسطول من ثلاث طائرات نقل من طراز سي-17 جلوب ماستر 3، وتعمل من قاعدة بابا الجوية، بهنغاريا (NSPA, 2022). حصلت خمسة عشر دولة من حلف الناتو أيضاً على قدرة المراقبة الأرضية (AGS)، والتي تتكون من خمس طائرات موجهة عن بُعد من نوع آر كيو – فور دي فونيكس، وهي طائرات معدلة من طراز جلوبال هوك، ومحطات قيادة وسيطرة أرضية توفر الاستخبارات، والمراقبة، والاستطلاع للتحالف (NATO, 2022b).

تحدث التنمية المشتركة عندما تقوم دولتان أو أكثر بتطوير وإنتاج أحد الأصول بشكل مشترك. ويمكن أن يتخذ ذلك أشكالًا مختلفة. على سبيل المثال، في حالة الطائرة F-35، فإن الولايات المتحدة هي المطور الرئيسي والعميل، بينما تشارك ثماني دول أخرى في البرنامج عبر ثلاثة مستويات. ومع ذلك، يتم في أوروبا استخدام مبدأ “العائد العادل”، كما هو الحال في حالة التطوير المشترك للطائرة المقاتلة يوروفايتر (Eurofighter) وطائرة النقل A400M. ويضمن مبدأ “العائد العادل” أن تنتج الدول المشاركة نسبياً نفس حصة مساهمتها من البرنامج. وكما يشير أندرو مورافسيك (Andrew Moravcsik)، فإن مبدأ “العائد العادل” يمثل اتفاق مكتوب بين دولتين، حيث تتقاسم الدولتين المتشاركتين حصة السوق بينهما. (Moravcsik, 1990: 74) ونادراً ما يكون هذا حلاً فعالاً، لوجود حاجة إلى قدر كبير من التنسيق والتفاوض لتوزيع مراحل العمل المختلفة بشكل متناسب، وليس هناك ما يضمن حصول تلك الدول على مهام الإنتاج التي تتمتع بأكبر قدر من الخبرة فيها.

تكاليف وفوائد تنمية القدرات متعددة الأطراف

لقد ابتكرت الصناعات العسكرية بشكل ملحوظ لإنتاج نماذج متنوعة لتطوير قدرات متعددة الأطراف، لكن هذه النماذج تفرض تكاليف ومزايا مختلفة. يحدث التعاون الدفاعي متعدد الأطراف عادةً عندما تتلاءم عوامل معينة مع بعضها البعض (Nemeth, 2022). وبناءً على ذلك، فعادة ما تلجأ القوات المسلحة إلى بعضها البعض لتطوير القدرات في بيئة متعددة الأطراف لأنها تفتقر إلى الموارد المالية أو الخبرة اللازمة لتحقيق أهداف قدراتها. وبالتالي، تبحث الدول عن شيء ما في تعاون متعدد الأطراف تفتقر إليه بشكل فردي، وتأمل أن يكون لديها مع شركائها الموارد والخبرات الكافية لتطوير القدرات المطلوبة. ومع ذلك، كما يوضح باستيان جيجريتش (Bastian Giegerich)، أن هناك “علاقة معقدة بين تكاليف ومزايا التعاون”، لأنه “كلما زادت احتمالية أن تؤدي طريقة معينة إلى تحقيق فوائد كبيرة، زادت احتمالية نشوء تكاليف كبيرة” في نواحي أخرى. (Giegerich, 2010: 89-90)

                                                           

على سبيل المثال، من المحتمل أن يفيد مشروع تطوير القدرات متعدد الأطراف الدول المشاركة التي تجمع الموارد لإنشاء مخرجات للقدرة العسكرية، والتي لن تكون شيئاً ممكناً بصورة فردية. وفي الوقت نفسه، إذا تم تجميع التكاليف، لتشمل التكاليف التنسيقية والتكاليف السياسية، فقد لا يكون مشروع تطوير القدرات بالضرورة أقل تكلفة بالنسبة للدول المنفردة. قد يتم دفع التكاليف من الناحية غير المالية، مثل التخلي عن جوانب معينة من الاستقلال الذاتي الوطني، والتسامح مع زيادة الاعتماد على سلاسل التوريد من جانب الشركاء، وقبول تأخيرات البرامج بسبب متطلبات التنسيق المكثفة ومفاوضات الشركاء بشأن ما يتم تطويره بشكل مشترك.

 

وعلاوة على ذلك، لا توفر بعض نماذج تنمية القدرات قدرات جديدة. وعلى الرغم من أن تجميع القدرات ومشاركة القدرات ومشاركة الأدوار والمهام قد تجعل القدرات الحالية أكثر فعالية من حيث التكلفة بل وتجعلها أكثر فاعلية من الناحية التشغيلية، إلا أنها لا تعادل تلقائيًا التخفيف من نقص القدرات (Biscop & Coelmont, 2011: 2) وعلى النقيض من ذلك، فإن نوعي التجميع من خلال الاستحواذ عادةً ما يولدان قدرات جديدة مهمة، ولكنهما يؤسسان أيضًا ترابطات كبيرة مع الشركاء.

الجدول 3.1: الفوائد والتكاليف الخاصة بنماذج تطوير القدرة على مستوى تعدد الجنسيات

يوضح الجدول 3.1 العلاقة بين بعض التكاليف والمزايا فيما يتعلق بأنواع مختلفة من نماذج تنمية القدرات متعددة الأطراف. تُظهر “المزايا الاقتصادية” الأثر المالي الإيجابي مقارنة بسعي الدول المشاركة إلى حل وطني. تشير “المزايا العسكرية” إلى مستوى مكتسبات القدرة العسكرية نتيجة للمشروع متعدد الأطراف، بينما تعكس “التكاليف التنسيقية” كثافة المفاوضات والتنسيق الضروريين لجعل التعاون فعالاً. أخيراً، تشير “التكاليف السياسية” إلى المخاطر التي يجب على القادة العسكريين والسياسيين قبولها بشأن الاستقلالية الوطنية التي تم التخلي عنها بالنظر إلى الاعتماد الموسع والاعتماد على الشركاء.

 

قدرات المشاركة لها النصيب الأقل من التكاليف والمزايا، حيث أن المساهمة في التدريب متعدد الأطراف وتحسين قابلية التعاون المشترك تولدان قيمة، وهما ضروريتان ولكنهما لا توفران قدرات جديدة في حد ذاتها. ومع ذلك، نظراً لأنه نادراً ما يتم دمج القدرات الوطنية في هياكل متعددة الأطراف في هذا النموذج، تظل التكاليف السياسية والتنسيقية منخفضة. يوفر الاستحواذ المشترك أعلى المزايا الاقتصادية والعسكرية، لأنه بدون هذا الخيار قد لا تتمكن العديد من الدول بشكل مستقل من تحمل تكلفة القدرات التي يتم شراؤها وصيانتها بشكل جماعي. ومع ذلك، فإن تكاليف التنسيق والسياسة في الاستحواذ المشترك مرتفعة. تعد مشاركة الأدوار والمهام أمراً شائعاً نسبياً بين حلفاء الناتو، ولكن في المناطق الأخرى، تميل إلى أن يكون استثناءً لأنها تتطلب مستوى عالي جداً من الثقة بين الشركاء. وفي هذه السيناريوهات، قد تعتمد الدول كليًا على الحلفاء والشركاء للحصول على قدرات عسكرية، مما يمثل تكاليف سياسية باهظة مقابل المزايا الاقتصادية والعسكرية التي تولدها.

 

إجمالاً يوفر تجميع القدرات والتنمية المشتركة أكثر العوائد فائدةً. وعلى الرغم من أن الفوائد الاقتصادية والعسكرية متوسطة المستوى في حالة تجميع القدرات، إلا أنها توفر مزيدًا من الكفاءة والتكاليف السياسية اللتان تعتبران منخفضتان نسبيًا. تحتفظ الدول عادة بالخيار الاستراتيجي لسحب مساهماتها في القدرات من هذه الترتيبات في ظل ظروف معينة، لذلك يعتبر هذا بشكل عام التزامًا سياسيًا أقل حساسية. ومع ذلك، فإن تكاليف التنسيق هنا تميل إلى أن تكون مرتفعة لأن الجيوش يجب أن تعرف كيف يمكنها العمل معًا بفعالية وكفاءة مع القدرات التي يتم تجميعها على مستوى متعدد الأطراف.

 

إذ يعتبر تحديد مزايا التنمية المشتركة أكثر تعقيدًا. وفي هذه الحالة، يكون البديل هو شراء وصيانة القدرة باستخدام الحلول التجارية الجاهزة (COTS). إن المزايا العسكرية هنا متوسطة المستوى، ولكن من المرجح أن تشمل المزايا الاقتصادية مدخرات بسبب وفورات الحجم التي تميل البرامج متعددة الأطراف إلى توفيرها. ويمكن أن يكون للاحتفاظ بقدرات وخبرات الإنتاج الوطنية أو تطويرها محليًا تأثير كبير على الاقتصاد بشكل عام (Hartley, 2019). ومع ذلك، فإن التكاليف التنسيقية تميل إلى أن تكون مرتفعة للغاية، خاصة إذا تم تصميمها على أساس مبدأ “العائد العادل”. إن التكاليف السياسية والاعتماد المتبادل الموجود في مثل هذا التعاون متعدد الأطراف يكونان متوسطي المستوى. ونادراً ما تكون الصيانة والفعالية التشغيلية للقدرات المملوكة وطنياً والمطورة بشكل مشترك في خطر، ولكن سياسات الرقابة على الصادرات غير المنحازة للدول المشاركة يمكن أن تخلق مشاكل لصادرات التقنيات المطورة بشكل مشترك.

التعامل مع التكاليف السياسية والتنسيقية

يعد تطوير القدرات العسكرية عملية معقدة للغاية، وعندما تحدث في سياق متعدد الأطراف، تزداد التعقيدات بشكل كبير. سخرت الجيوش من حول العالم الابتكار لإدارة هذه التعقيدات وطوّرت نماذج مختلفة لإدارتها. إذ يقدم كل نموذج حلولًا مختلفة ويقدم تكاليف ومزايا مختلفة، ولكن لا يزال هناك دائمًا مقايضات متأصلة. تميل أهم المقايضات إلى التواجد بين التكاليف التنسيقية والتكاليف السياسية من جهة، والمزايا الاقتصادية والعسكرية من جهة أخرى. 

 

يمكن استخلاص ثلاثة دروس رئيسية من تجارب التعاون السابق لإدارة هذه التكاليف بأفضل الطرق الممكنة. أولاً، يمكن للدول التي تحدد أهداف أمنها القومي لتتماشى مع شركاء موثوق بهم للغاية، أن تحد من التكاليف السياسية للتعاون العسكري والاعتماد المتبادل فيما بينها. ووفقاً لذلك، تميل الدول إلى الشروع بالمزيد من التعاون الدفاعي فيما بينها عندما يحدث ذلك (Nemeth, 2022). يمكن أن يؤدي ذلك إلى خفض التكاليف السياسية بشكل كبير، ولكنه لا يضمن في حد ذاته نجاح انخفاضها. ثانيًا، على المستوى التقني، “يبدو أن المشكلة الأكثر احداثاً للضجة هي عدم القدرة على مواءمة المتطلبات والجداول الزمنية” (Giegerich, 2010: 95). وبالتالي، يجب وضع العمل المشترك، والتوحيد القياسي، ومواءمة المتطلبات، في طليعة برنامج تطوير القدرات متعددة الأطراف من البداية.

 

كما يوضح باستيان جيجريتش (Bastian Giegerich)، إذا اختارت القوات المسلحة شراء أو إنشاء نسخ وطنية من القدرة، فسيكون من المستحيل أيضًا تحقيق وفورات في الكفاءة لاحقًا، لأن الإصدارات الوطنية المختلفة من المحتمل أن تتطلب عمليات تدريب وخدمات منفصلة. كما أنها ستقلل من إمكانية العمل المشترك عند نشر الأصول (Giegerich, 2010: 95). أخيرًا، يمكن أن يساعد توسيع التفاعل، كما هو الحال مع مكاتب الاتصال، وبرامج التدريب والتبادل والمساعدة بين الجيوش على تقليل التكاليف السياسية والتنسيقية. تعتبر التدريبات العسكرية متعددة الأطراف قوية للغاية لتحسين العمل المشترك، وتطوير العقائد المشتركة، وإنشاء لغة’ مشتركة بين الحلفاء والشركاء العسكريين (Frazier and Hutto, 2017).

 

يمكن إنشاء طريقة مماثلة في التفكير بين الجيوش من خلال مثل هذه التفاعلات، مما يساعد على تطوير الطرق التي يمكن من خلالها مواجهة المتطلبات والتحديات المشتركة على المستوى التقني وبناء مستويات أعلى من الثقة. وفي حين إنه يمكن تخفيض التكاليف السياسية والتنسيقية من خلال اعتماد مثل هذه الأساليب لتعميق التعاون وبناء الشراكة، إلا أنها لن تختفي بالكامل. وعندما تقرر الجيوش ويقرر القادة السياسيون المشاركة في برنامج متعدد الأطراف يتعلق بتنمية القدرات، فحينها يجب النظر في تكاليف ومزايا القيام بذلك من منظور أوسع.

المراجع

Table of Contents

Read More

ينبغي على صناع القرار العسكري إعادة النظر في افتراضاتهم عن دور الإمكانات الرقمية والذكاء الاصطناعي (AI) في الأنظمة القتالية المستقبلية. في الوقت ذاته المُعترف فيه بأهمية تكنولوجيا المعلومات، فيجب عليهم كذلك إدراك الأهمية الدائمة للتكنولوجيات العسكرية التقليدية. إن اتباع نهج متوازن أمر ضروري، بالإضافة إلى أن الاستفادة من خبرات الشركات الناشئة يجب أن يكون بحذر، لأن إجبار الممارسات التجارية على تطوير القدرات القتالية قد يؤدي إلى الفشل.

الدكتور تيد هارشبرجر (Ted Harshberger) - زميل أول (غير دائم) - مجموعة المبادرات الدفاعية الصناعية - مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية - الولايات المتحدة

الدكتورة سينثيا آر كوك (Cynthia R. Cook) - مدير - مجموعة المبادرات الدفاعية الصناعية - مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية - الولايات المتحدة

في ظل تطور المشهد العملياتي، فإن الجيوش تدرك الحاجة الملحة لتسخير إمكانات الذكاء الاصطناعي (AI) لتحقيق إمكانات قابلة للتكيف. من خلال تقديم مفهوم الميتافيرس في الدفاع (Defense Metaverse)، فإن هذا النهج يعمل على بناء توأم رقمي ديناميكي لساحة المعركة، حيث يُدمج الذكاء الاصطناعي (AI) مع النماذج المتطورة لتجريب المفاهيم التكتيكية وتحسينها. إن تسليط الضوء على النجاحات مثل مشروع GhostPlay، يبرز أهمية إعطاء الأولوية للتجريب والتدريب والبنية التحتية لتحسين الإمكانات العسكرية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي (AI-driven).

هيكو بورشيرت (Heiko Borchert) - مدير مشارك - مرصد الذكاء الاصطناعي في الدفاع - ألمانيا

توربين شوتز (Torben Schütz) - زميل أبحاث - مرصد الذكاء الاصطناعي في الدفاع - ألمانيا

يشق الذكاء الاصطناعي (AI) طريقه إلى العمليات العسكرية وسيزداد التعايش بين المقاتلين والآلات في ظل التقدم التدريجي المتزايد في الإمكانات الاستقلالية. نظرًا لأن الآلات تتحول من مجرد أدوات بسيطة إلى زملاء عمل معاونين، فإن العمل الجماعي بين العنصر البشري والآلة سيصبح محور الحروب. إن فهم كيفية ضمان الثقة بين البشر والآلات أمر بالغ الأهمية.

د. جين مارك ريكلي (Dr. Jean-Marc Rickli)- رئيس مخاطر الأمن العالمية والناشئة

فيديريكو مانتيلاسي (Federico Mantellassi), مسؤول البحث والمشروعات - مركز جنيف لسياسة الأمن - سويسرا

إن النمو المتسارع للفضاء التجاري يضعه في طليعة الابتكار والأنشطة المتعلقة بالتوسع في استخدام الفضاء. يُوجد الكثير من المكاسب التي تستطيع الجيوش الحصول عليها من الفضاء التجاري، وذلك لأن الجيوش تحاول استخراج كامل الإمكانات الكامنة الممكنة التي قد يوفرها الفضاء للنشاط العسكري، ولكن ذلك سيجلب أيضًا ديناميكيات جديدة في المنافسة على الهيمنة.

د. مالكولم ديفيس (Dr. Malcolm Davis)- كبير محللي - معهد السياسة الإستراتيجية الاسترالي - استراليا